أبي حيان الأندلسي
510
البحر المحيط في التفسير
وأجاز أبو علي : في : ما آتيتم ، أن تكون : ما ، مصدرية أي : إذا سلمتم الإتيان ، والمعنى مع القصر ، وكون : ما ، بمعنى الذي ، أن يكون الذي ما آتيتم نقده وإعطاءه ، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه ، فكان التقدير : ما آتيتموه ، ثم حذف الضمير من الصلة ، وإذا كانت مصدرية استغنى الكلام عن هذا التقدير ، وروى شيبان عن عاصم : ما أوتيتم مبنيا للمفعول أي : ما آتاكم اللّه وأقدركم عليه من الأجرة ، ونحوها ، قال تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ « 1 » ويتعلق : بالمعروف ، ب : سلمتم ، أي : بالقول الجميل الذي تطيب النفس به ، ويعين على تحسين نشأة الصبي . وقيل : تتعلق : بآتيتم . قالوا : وفي هذه الآية دليل على أن للآباء أن يستأجروا لأولادهم مراضع إذا اتفقوا مع الأمهات على ذلك ، وهذه كانت سنة جاهلية ، كانوا يتخذون المراضع لأولادهم ويفرغون الأمهات للاستمتاع بهن ، والاستصلاح لأبدانهن ، ولاستعجال الولد بحصول الحمل ، فأقرهم الشرع على ذلك لما في ذلك من المصلحة ورفع المشقة عنهم بقطع ما ألفوه ، وجعل الأجرة على الأب بقوله : إِذا سَلَّمْتُمْ . و اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لما تقدّم أمر ونهي ، خرج على تقدير أمر بتقوى اللّه تعالى ، ولما كان كثير من أحكام هذه الآية متعلقا بأمر الأطفال الذين لا قدرة لهم ولا منعة مما يفعله بهم ، حذر وهدّد بقوله : وَاعْلَمُوا وأتى بالصفة التي هي : بصير ، مبالغة في الإحاطة بما يفعلونه معهم والاطلاع عليه ، كما قال تعالى : وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي « 2 » في حق موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ، إذ كان طفلا . قالوا : وفي الآية ضروب من البيان والبديع ، منها : تلوين الخطاب ، ومعدوله في : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ فإنه خبر معناه الآمر على قول الأكثر ، والتأكيد : بكاملين ، والعدل عن رزق الأولاد إلى رزق أمهاتهنّ ، لأنهنّ سبب توصل ذلك . والإيجاز في : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ وتلوين الخطاب : في وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فإنه خطاب للآباء والأمهات ثم قال : إِذا سَلَّمْتُمْ وهو خطاب للآباء خاصة ، والحذف في : أَنْ تَسْتَرْضِعُوا التقدير : مراضع للأولاد ، وفي قوله : إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ انتهى . وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أمر اللّه تعالى الأزواج إذا طلقوا نساءهم فيقاربوا
--> ( 1 ) سورة الحديد : 57 / 7 . ( 2 ) سورة طه : 20 / 39 .